ابن أبي الحديد

27

شرح نهج البلاغة

فاما قوله : ( فمن عاد إلى مثلها فاقتلوه ) فالمراد من عاد إلى أن يبايع من غير مشاورة ولا عدد يثبت صحة البيعة به ، ولا ضرورة داعية إلى البيعة ثم بسط يده على المسلمين يدخلهم في البيعة قهرا فاقتلوه ( 1 ) . قال قاضى القضاة رحمه الله تعالى : وهل يشك أحد في تعظيم عمر لأبي بكر وطاعته إياه ومعلوم ضرورة من حال عمر إعظامه له ، والقول بإمامته والرضا بالبيعة والثناء عليه ، فكيف يجوز ان يترك ما يعلم ضرورة ، لقول محتمل ذي وجوه وتأويلات ! وكيف يجوز أن تحمل هذه اللفظة من عمر على الذم والتخطئة وسوء القول ! واعلم أن هذه اللفظة من عمر مناسبة للفظات كثيرة كان يقولها بمقتضى ما جبله الله تعالى عليه من غلظ الطينة وجفاء الطبيعة : ولا حيلة له فيها ، لأنه مجبول عليها لا يستطيع تغييرها ، ولا ريب عندنا أنه كان يتعاطى أن يتلطف ، وأن يخرج ألفاظه مخارج حسنة لطيفة ، فينزع به الطبع الجاسي ، والغريزة الغليظة إلى أمثال هذه اللفظات ، ولا يقصد بها سوءا ، ولا يريد بها ذما ولا تخطئة ، كما قدمنا من قبل في اللفظة ( 2 ) التي قالها في مرض رسول الله صلى الله عليه وآله ، وكاللفظات ( 3 ) التي قالها عام الحديبية وغير ذلك والله تعالى لا يجازى المكلف الا بما نواه ، ولقد كانت نيته من أطهر النيات وأخلصها لله سبحانه وللمسلمين . ومن أنصف علم أن هذا الكلام حق ، وانه يغنى عن تأويل شيخنا لابن أبي على . ونحن من بعد نذكر ما قاله المرتضى رحمه الله تعالى في كتاب ، ، الشافي ، ، ( 4 ) لما تكلم في هذا الموضع ، قال : أما ما ادعى من العلم الضروري برضا عمر ببيعة لابن أبي بكر وإمامته فالمعلوم ضرورة بلا شبهة أنه كان راضيا بإمامته ، وليس كل من رضى شيئا

--> ( 1 ) نقلة المرتضى في الشافي 241 . ( 2 ) الجزء الأول ص 161 . ( 3 ) انظر سيرة ابن هشام 3 : 365 . ( 4 ) كتاب الشافي في الإمامة والنقص على كتاب المغني للقاضي عبد الجبار ، وقد اختصره أبو جعفر محمد ابن الحسن الطوسي المتوفي سنة 460 ، وطبع الكتاب والمختصر في العجم سنة 1301 في جزأين .